متاحف العالم: متحف اللوفر
يقع متحف اللوفر في قصر اللوفر المهيب بمدينة باريس، التي تعد أحد المراكز الثقافية لفرنسا بل ولأوروبا بأكملها. ولا يقتصر متحف اللوفر على كونه متحف الفنون الأكثر زيارة في العالم فحسب، بل هو أيضاً صرح ضخم يضم في جنباته تاريخاً وتطوراً معمارياً يمتد لثمانية قرون. يبدأ تاريخ المتحف في أواخر القرن الثاني عشر، عندما أمر الملك فيليب أوجست الثاني ببناء قلعة على ضفاف نهر السين لحماية المدينة من هجمات الفايكنج. وحتى اليوم، يمكن رؤية بقايا قلعة القرون الوسطى في الطوابق السفلية للمتحف. ومع مرور الوقت، تجاوزت القلعة أسوار المدينة وفقدت وظيفتها الدفاعية، وحولها الملك شارل الخامس في القرن الرابع عشر إلى مقر إقامة ملكي. أما التحول الحقيقي للوفر إلى قصر، فقد بدأ في القرن السادس عشر في عهد الملك فرانسوا الأول المحب للفن والمؤثر بالنهضة الإيطالية، واستمر الملوك اللاحقون في توسيعه باستمرار حتى أصبح المجمع الصرحي الذي نراه اليوم.
مع نقل الملك لويس الرابع عشر قصره إلى فرساي في عام 1682، بدأ اللوفر يُستخدم في المقام الأول كمكان لتعريض المجموعات الفنية الملكية. وفي فترة الثورة الفرنسية، وبقرار من الجمعية الوطنية، تقرر فتح هذه المجموعات للعامة، وفي 10 أغسطس 1793، فتح اللوفر أبوابه رسمياً كمتحف يعرض التحف الفنية للأمة. وفي السنوات التالية، توسعت المجموعة بغنائم حرب نابليون، واستمر المتحف في النمو من خلال الترتيبات الهيكلية والإضافات المعمارية. وفي ثمانينيات القرن العشرين، وكجزء من مشروع التحديث، أضاف المهندس المعماري إي. إم. بي الهرم الزجاجي الأيقوني، مما بدأ حقبة جديدة في كل من الهوية المعمارية للوفر وتدفق الزوار. يمثل هذا الهرم في فناء القصر التاريخي توليفة مذهلة بين الماضي والحاضر.
تغطي مجموعة اللوفر نطاقاً واسعاً يمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى القرن التاسع عشر، وتتوزع على ثمانية أقسام تقييمية رئيسية: الآثار المصرية؛ الآثار الشرقية القديمة؛ الآثار اليونانية والأترورية والرومانية؛ الفن الإسلامي؛ المنحوتات؛ اللوحات الفنية؛ المطبوعات والرسومات؛ والفنون الزخرفية. ويضم المتحف أكثر من 380,000 قطعة أثرية وفنية، يعرض منها نحو 35,000 قطعة للزوار في مساحة عرض هائلة تبلغ 72,735 متراً مربعاً.
إن العامل الأكبر الذي جعل متحف اللوفر أيقونة عالمية هو بلا شك احتوائه على أشهر شاهكار الفن العالمي. ومن أبرز الأعمال التي تجذب أكبر قدر من اهتمام الزوار لوحة "المونا ليزا" (الجوكوندا) للرسام ليوناردو دا فينشي المشهورة بابتسامتها الغامضة. تُعرض هذه اللوحة الشخصية من عصر النهضة الإيطالية خلف حاجز زجاجي في قاعة خاصة، وتُشكل النقطة الأكثر ازدحاماً في المتحف. ومن التحف الفنية الخالدة الأخرى تمثال "النصر المجنح لساموثراس" الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد ويترك انطباعاً مذهلاً بهيئته المجنحة، وتمثال "فينوس دي ميلو" الذي يُعتقد أنه يعود إلى الأعوام 130-100 قبل الميلاد ويُعد أحد أشهر أمثلة فن النحت اليوناني القديم.
لا تقتصر عمق المجموعة على هذه الأعمال الشهيرة فحسب؛ ففي قسم الآثار الشرقية القديمة، تلفت الانتباه "شريعة حمورابي"، وهي نص قانوني بابلي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد وله أهمية كبيرة في تاريخ البشرية. وفي قسم اللوحات، تُعرض معالم بارزة للفن الأوروبي، مثل أعمال دا فينشي الأخرى، ولوحات تيتيان، ولوحة "عرس قانا" الفاخرة لفرونيز، ولوحة "الحرية تقود الشعب" لأوجين ديلاكروا والتي تعد رمزاً للرومانسية الفرنسية. كما تقدم مجموعات مصر القديمة والعصر الكلاسيكي ثراءً فريداً يغوص في جذور الحضارات، بدءاً من التماثيل إلى المومياوات ومن المنحوتات إلى الفسيفساء.
إن متحف اللوفر هو أكثر من مجرد مستودع للفنون؛ فهو يقدم لزواره رحلة متواصلة عبر حُقب مختلفة من تاريخ الفن العالمي وإرث معماري يمتد لـ 800 عام. إن التحولات التي مر بها كقلعة تاريخية، وقصر ملكي، ومعبد للفن جعلت منه أحد أهم المؤسسات وأكثرها تميزاً في التراث الثقافي العالمي. بالنسبة للزوار، يُعد هذا متاهة ضخمة يستحيل استكشافها في يوم واحد، وهو صندوق كنوز ينتظر من يكتشفه، يحمل في كل زاوية منه أثر حضارة ونَفَس عبقرية فنية.





