إرث إمبراطوري: متاحف إسطنبول للآثار
تُعد متاحف إسطنبول للآثار مجمعًا ضخمًا يتكون من ثلاث وحدات رئيسية: متحف الآثار، ومتحف آثار الشرق القديم، ومتحف القصر المبلط (تشينيليه كوشك). ويُعتبر هذا المكان من أثمن المؤسسات الموروثة من الدولة العثمانية إلى الجمهورية التركية. كما يحمل تاريخ المتحف في طياته علامات ولادة علم المتاحف التركي الحديث.
عثمان حمدي بك ونهضة المتحف الهمايوني
حتى نهايات القرن التاسع عشر، كان علماء الآثار الغربيون ينقلون الكثير من القطع الأثرية الثمينة في الأراضي العثمانية إلى المتاحف الأوروبية (مثل المتحف البريطاني ومتحف اللوفر وغيرها). وكان الشخص الذي وضع حدًا لهذا المسار هو عثمان حمدي بك، الرسام والأثري وصاحب الرؤية الثاقبة. وقبل عثمان حمدي بك، كانت الدولة العثمانية قد بدأت بالفعل جهودًا في مجال المتاحف، إلا أن عثمان حمدي بك هو من وضع منهجية منتظمة لهذا المجال وأظهر كيفية حماية الآثار والحفاظ عليها.
في عام 1881، عُيِّن عثمان حمدي بك مديرًا للمتحف الهمايوني (المتحف الإمبراطوري)، وحظر تهريب الآثار التاريخية إلى الخارج من خلال سن "قانون الآثار القديمة" (آثار عتيقة نظام نامهسي). ولتمكينه من نقل التوابيت الحجرية الفريدة التي اكتشفها في تنقيبات صيدا (لبنان) إلى إسطنبول، أشرف على إنشاء المبنى الرئيسي الذي نعرفه اليوم باسم "متحف الآثار". ويُعد هذا المبنى، الذي صممه المعماري الشهير ألكسندر فالوري، من المباني النادرة في العالم التي أُنشئت خصيصًا لتكون "متحفًا".
ثلاثة مبانٍ مستقلة، ثلاثة عوالم مختلفة
عندما تطأ قدمك حديقة المتحف، تستقبلك ثلاثة مبانٍ معمارية منفصلة تنتمي إلى حقب زمنية مختلفة.
1. متحف الآثار (المبنى الرئيسي): يُعد المبنى الرئيسي أحد أجمل أمثلة العمارة الكلاسيكية الحديثة، ويشبه معبدًا قديمًا بأعمدته وواجهته المثلثة. ويبدو تمثال "بيس" الضخم الذي يستقبلك عند مدخل هذا المبنى وكأنه حارس المتحف.
قاعة التوابيت: هذه هي أهم قاعة في المتحف. تابوت الإسكندر، الذي جلبته تنقيبات عثمان حمدي بك من صيدا، يُعتبر معجزة في نحت الحجارة بفضل مشاهد الحرب والصيد الرائعة المحفورة عليه. أما تابوت النساء الباكيات المجاور له، فقد نُقش عليه الحزن العميق لـ 18 امرأة على الرخام بطريقة تجعل من المستحيل عدم الشعور بأساهن عند الوقوف أمامه.
فن النحت في العصور القديمة: تُثبت المجموعة الواسعة من التماثيل الممتدة من العصر الأرخي حتى العصر الروماني كيف بلغ تجسيد الهيئة البشرية الكمال في الفن.
2. متحف آثار الشرق القديم: يقع هذا المتحف على اليسار مباشرة من المبنى الرئيسي. أُنشئ المبنى في البداية كمدرسة للفنون الجميلة (مدرسة الصنائع النفيسة)، ويحتضن اليوم آثار بلاد ما بين النهرين ومصر والأناضول في العصور ما قبل الإسلامية.
معاهدة قادش للسلام: يُعرض هنا لوح مسماري يمثل نسخة من أول معاهدة سلام مكتوبة معروفة في التاريخ. تُعد هذه الوثيقة الدبلوماسية بين الإمبراطوريتين الحثية والمصرية إحدى أهم المحطات الفارقة في التاريخ السياسي العالمي.
بوابة عشتار ببابيلون: تنقل النقوش البارزة لأسود بوابة بابل الزرقاء الخزفية الأسطورية فخامة بلاد ما بين النهرين إلى إسطنبول.
3. متحف القصر المبلط (تشينيليه كوشك): هو أقدم مبنى في المجمع. أمره ببنائه السلطان محمد الفاتح عام 1472. ويُعتبر أحد أقدم أمثلة العمارة المدنية العثمانية في إسطنبول. يفتن هذا المبنى زواره بزخارفه الخزفية المبتكرة تحت التأثير السلجوقي، ويضم اليوم أنفس أمثلة فن الخزف والسيراميك التركي.
روح المتحف: الحديقة والأجواء
لا تقتصر متاحف إسطنبول للآثار على المباني فحسب، بل تُعتبر حديقة المتحف بمثابة متحف في الهواء الطلق. السير تحت ظلال الأشجار المعمرة وبين تيجان الأعمدة الرومانية والنقوش البيزنطية والشواهد العثمانية يمنحك شعورًا بتوقف الزمن. وعند احتساء فنجان من القهوة للاستراحة في مقهى المتحف والنظر إلى واجهة القصر المبلط المقابل، ستدرك على الفور سبب تسمية إسطنبول بـ "مركز العالم". فمن جهة تجد رخام اليونان القديمة، ومن جهة أخرى ألواح الصلصال من بلاد ما بين النهرين، وفي المقابل الخزف العثماني...
اكتسب المتحف تصميمًا عصريًا للعرض بفضل أعمال الترميم الشاملة التي أُجريت في السنوات الأخيرة. وعلى وجه الخصوص، تتيح لك أعمال التدعيم ضد الزلازل والإضاءة وتنسيق العرض رؤية تفاصيل القطع الأثرية بوضوح أكبر بكثير.
تجلت العديد من المعايير التي تتبادر إلى الذهن عندما نذكر "علم المتاحف" في العالم الحديث داخل أروقة هذا المبنى. إن زيارة متاحف إسطنبول للآثار ليست مجرد تأمل في الأحجار القديمة، بل هي استنشاق لعبق حروب طروادة، وقوانين الحثيين، وعظمة روما، وجهود الدولة العثمانية لحماية التراث الثقافي في وقت واحد. إذا كنت في إسطنبول أو زرتها، فخصص نصف يوم على الأقل لهذا المتحف. ونود الإشارة إلى أن نصف يوم قد لا يكون كافيًا، لأن كل قطعة أثرية معروضة هنا هي في الواقع جزء من قصتنا المشتركة جميعًا.





